Wednesday, November 26, 2008

قراءة هادئة في مشهد عنيف

اصطدمت عيناي بهاتين اللوحتين أكثر من مرّة وفي أوقات مختلفة بينما كنت أبحث عن لوحات تصلح لأن تضاف إلى سلسلة اللوحات العالمية. وفي كلّ مرّة، كان ردّ الفعل مزيجا من الصدمة والاستغراب. الصدمة؛ لأن المنظر صادم ومستفزّ من حيث طبيعته وتفاصيله. فأنا لا أظنّ أن هناك منظرا يمكن أن يفوق في توحّشه وساديّته منظر قتل إنسان بقطع رأسه كائنا ما كانت الجريمة التي ارتكبها. أما الاستغراب فمردّه أن من يقوم بفعل الذبح في الصورة امرأة. ومن هنا قد يستكثر الإنسان على المرأة، بما يُفترض أنها جُبلت عليه من رقّة وعاطفة، أن ترتكب عملا يتسم بالعنف والوحشية، بصرف النظر عن مدى عدالة أو منطقية الأسباب وما يُساق لها أحيانا من مبرّرات ودوافع وطنية أو دينية.. إلى آخره.
وليس هناك حاجة للقول إن المنظر الذي تصوّره اللوحتان مزعج وغير مريح بالمرّة. فالعنف فيهما واضح والقسوة صارخة بما لا يحتمل. ويقال إن لوحة كارافاجيو هي اللوحة الأعنف في تاريخ الفن التشكيلي العالميّ.
كارافاجيو ايطالي وكذلك الرسّامة ارتيميزيا جينتيليسكي. ولوحتاهما هنا تعالجان موضوعا واحدا بطلته امرأة يهودية اسمها جوديث. وهي نموذج للمرأة التي تقتل العدوّ كي يحيا شعبها. وسلاحها في ذلك جمالها وجاذبيّتها الطاغية.
والقصّة تعود إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وقد ورد ذكرها في الإنجيل. وفي تفاصيلها أن الملك البابلي نبوخذ نصّر أرسل قائد جيشه هولوفيرنس على رأس كتيبة ضخمة لتأديب الشعوب المجاورة التي لم تساند حكمه. وقد فرض هولوفيرنس خلال تلك الحملة حصارا على أهالي مدينة تسمّى بيتوليا. ومن تلك المدينة خرجت جوديث التي ستقتل القائد البابلي وتنهي الحصار المفروض على قومها. وقد مثلت القصّة كثيرا في الفن، ورسمها مايكل انجيلو في سقف كنيسة سيستين في ثلاثة مشاهد متسلسلة.
وجوديث نموذج آخر لنساء يهوديات كثيرات فعلن شيئا مثل هذا.
دليلة ، مثلا، سلّمت شمشون الجبّار إلى أعدائه بعد أن سيطرت عليه بسحرها وغوايتها.
وسالومي ، وهي بغيّ يهودية أخرى، اشترطت على الملك الروماني هيرودس أن يأتيها برأس يوحنّا المعمدان (أو يحيى بن زكريّا في الأدبيات الإسلامية) مقابل أن تهبه نفسها. وكان لها ما أرادت.
وقائمة النساء من هذا النوع طويلة. ومن الواضح أن ثمّة ثلاثة عناصر ثابتة في مثل هذه القصص: الجنس والتخفي والخمر.
لكن، لا يُعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه القصص - باستثناء الأخيرة - حقيقية أو أنها مجرّد أساطير أو حكايات فولكلورية جرى تأليفها لإضفاء طابع البطولة والتضحية على شخصية المرأة اليهودية.
ومنذ فترة، اطلعت على دراسة جميلة كتبتها اندريا مارتن، أجرت فيها مقارنة بين رؤية كل من كارافاجيو وأرتيميزيا جينتيليسكي لقصّة جوديث من منظور الجندر، أو الفوارق الجنسانية بين الرجل والمرأة.
تبدأ الكاتبة كلامها بالحديث عن الأرملة اليهودية جوديث التي حاولت وقف هجوم العدوّ على شعبها، فدخلت مخيّم الجيش المهاجم مع وصيفتها لمواجهة قائده المسمّى هولوفيرنس.
وقد تمكّنت المرأة من دخول المخيّم بعد أن فتنت الحراس بجمالها. وهي ستفعل الشيء نفسه في ما بعد مع هولوفيرنس. واستطاعت في ما بعد إقناع القائد البابلي بأنها راغبة فعلا في مساعدة جيشه فقبل مشورتها له بتأجيل خطة الهجوم.
وفي إحدى الليالي وبعد أن تناول الجميع العشاء، سكر القائد حتى أغمي عليه وأصبح في حالة من الضعف مكّنت جوديث "بدعم من العناية الإلهية" من قطع رأسه.
وعادت هي ووصيفتها منتصرة إلى أرض قومها ومعها رأس القائد المقطوع. وبذا ضمنت سلامة شعبها، كما يقول الإنجيل.

Caravaggio, Judith Slaying Holofernes, 1599

الترجمات الفنية للقصّة مختلفة ومتباينة. بعضها يصوّر جوديث وهي تصلي من اجل العون الإلهي قبل وقت قصير من بدء مهمّتها. بينما تظهر في لوحات أخرى حاملة رأس هولوفيرنس وهي في طريق عودتها إلى قومها.
ولوحة ارتيميزيا جينتيليسكي عن القصّة هي عبارة عن تصوير عنيف ومبتكر للحظة التي تحزّ فيها المرأة رقبة الرجل. والمنظر يثير شعورا بقوّة الأنثى وسيطرتها.
ثم تجري الكاتبة مقارنة بين لوحتي كارافاجيو و جينتيليسكي عن الحادثة، في محاولة للوقوف على الاختلافات والفوارق بين أسلوبي الرسّامين في معالجتهما للموضوع، فتقول: إن الفحص المتأنّي للغة الجسد في هاتين اللوحتين سيكشف بوضوح عن اختلاف الفنانين في رؤيتهما للقصّة من منظور الجندر.
فـ كارافاجيو، من منظوره الذكوري، يرسم جوديث معتمدة على تدخّل الربّ باعتباره الوسيلة التي تمنحها القوّة.
بينما جينتيليسكي، من منظورها الأنثوي، تؤكّد على أن قوّة جوديث متأصّلة فيها ومتأتية من ذاتها. فهي تبدو قويّة، مصمّمة ومعتدّة بنفسها بينما تباشر قطع رأس قائد الجيش الغازي.
إنها تمسك بيدها اليسرى خصلة من شعره لمنعه من الحركة فيما ذراعها الأيمن يجري الخنجر بقوّة على رقبته. كما أنها تُميل جسدها إلى الخلف في محاولة لإبعاد الدم عن ملابسها، تماما مثلما يفعل من يذبح حيوانا.
إن المرأة تؤدّي مهمّتها بإحكام. وهي ترمق هولوفيرنس بنظرات باردة توحي بأنها منفصلة عن ضحيّتها، لكنها أيضا تعكس إصرارها وعزيمتها.
وتعبيرات وجهها، خاصّة ما حول الحاجبين، تنمّ عن تركيز وتصميم شديدين. وهي تبدو مستعدّة بل وراغبة في قتل الخصم بلا اكتراث أو ندم.
ورغم أن القصّة الإنجيلية توحي بأن تدخل الربّ كان ضروريا وحاسما في مساعدة المرأة على تنفيذ عملية القتل، فإن أسلوب جينتيليسكي في التعامل مع شكل وهيئة جوديث يكشف عن أن الرسّامة تعتقد انه حتى وإن كان الفعل قد نفّذ بمشيئة الله فإنها تعتبر جوديث قادرة تماما على أداء واجبها بفضل حيَلها الخاصّة وقوّتها الجسدية وبراعتها.
إن جوديث في لوحة جينتيليسكي تميل بجسدها إلى الوراء، لكن جوديث كارافاجيو تفعل ذلك كما يبدو نتيجة إحساسها بالصدمة النفسية من تصرّفها. إنها لا تسيطر على نفسها، بل ترتكب جريمة قتل لأن إرادة الله أوجبت ذلك.
وبينما تبدو جوديث جينتيليسكي وهي تنفذ المهمّة بوحي من شعورها الوطني وقوّتها الخاصّة والكامنة، فإن كارافاجيو يصوّرها وكأنها تطلب مساعدة الإله في ارتكاب ذلك العمل.
ومن الواضح أن جينتيليسكي تريد أن تقول إن النساء يمكنهن التحكّم في أيّ وضع يواجهنه. وفي المقابل، يُظهر كارافاجيو الأنثى في وضع من يطلب تدخّلا إلهيا لكي يتغلّب على مثل ذلك الظرف الهائل والعصيب.

Artemisia Gentileschi, Judith Decapitating Holofernes, 1618

والواقع أن تعامل الرسّامَين مع خادمة جوديث يكشف، هو أيضا، عن فارق جنساني آخر.
ورغم انه من غير الواضح في الإنجيل كم كان عمر الخادمة، فإنها تبدو في لوحة جينتيليسكي شابّة وقويّة، بل وأيضا مشاركة بفاعلية في جريمة قتل هولوفيرنس .
إن جينتيليسكي تشرك الخادمة في عملية القتل، وفي هذا مخالفة للرواية الدينية التي تذكر أن جوديث قهرت خصمها بفضل العناية الإلهية وحدها.
وفي هذا إشارة واضحة إلى أن موت القائد كان على يد المرأتين الشابتين. وهو تفسير قد لا يخطر ببال رجل بسهولة.
ذلك أن فكرة أن تقوم نساء بقتل رجل، بصرف النظر عمّا إذا كان عدوّا، يمكن أن تعتبر تهديدا وتحدّيا للسلطة الأبوية التي كان يتمتع بها الرجال زمن جينتيليسكي.
لكن الفنانة كانت ترى أن النساء قادرات على أن يتجاوزن دورهن الاجتماعي الهامشي والضيّق. وأكثر من هذا، فإن تفسيرها للقصّة يخوّل النساء أن يتصرّفن خارج إطار سيطرة الله.
وبالنتيجة، فإن تصويرها للخادمة وهي تشارك في قتل هولوفيرنس يبدو نابعا من منظور أنثوي واضح.
ولا بدّ وأن نلاحظ أن تمثيل كل من جينتيليسكي وكارافاجيو المتناقض للغة جسد هولوفيرنس في لحظات موته هي نتيجة لاختلاف منظوريهما. مثلا وكما ورد آنفا، فإن الخادمة في لوحة جينتيليسكي تمسك بالضحية وتثبّته أرضا بينما تطبق جوديث على رأسه في محاولة للسيطرة عليه وشلّ حركته.
وعلى النقيض من ذلك، فإن كارافاجيو - وكما هو متوقّع - يصوّر هولوفيرنس وكأنه يعرف أن الله قد هزمه. والدليل على هذا واضح على وجه الرجل. فهو ينظر إلى أعلى مدركا انه لن يكون بمقدوره أن يتجنّب غضب الربّ. ورغم أن جوديث تشدّ شعره بينما تقوم بفصل رأسه، فإنه لا جوديث ولا خادمتها مهتمّة بتثبيت جسده أرضا.
وهذه نقطة مهمّة تفترض أن هولوفيرنس كان قادرا على التصدّي للمرأتين ومقاومتهما لأنه غير مسيطَر عليه تماما.
وكارافاجيو يريد أن يقول ضمنا إن صراع هولوفيرنس كان مع الله فقط.
وفي حين أن لوحة جينتيليسكي تشير بوضوح إلى قوّة وسيطرة المرأتين على عدوّهما ومسئوليّتهما عن موته، يشدّد كارافاجيو من خلال أسلوبه في تصوير المرأتين على حاجتهما لمساعدة إلهية لكي ينفذا مؤامرتهما بنجاح.
وتضيف الكاتبة: إن جنس كلّ من الفنانَين يؤثّر في طبيعة نظرته إلى جوديث في مثل هذه الظروف. وكلّ منهما لديه استجابة جنسانية مختلفة تجاه موضوع وفكرة اللوحة.
فـ كارافاجيو في لوحته يؤكّد منظورا ذكوريا واضحا بتصويره جوديث حذرة ومتردّدة إلى حدّ ما. وهي تستخدم قوّتها "التي منحها إياها الربّ مؤقتا" كي تقتل عدوّها.
وفي لوحة كارافاجيو أيضا نرى هولوفيرنس وهو ينظر إلى السماء مدركا أن قدرة الله اكبر من قدرته. وكارافاجيو لا يرى أن موت هولوفيرنس تحقق فقط على يد امرأة شابّة متسلّحة بخنجر، لأنها في النهاية مجرّد امرأة ضعيفة ومحدودة القوى.
في حين أن لوحة جينتيليسكي تظهر جوديث بمظهر المرأة القويّة والشديدة البأس والحازمة. وهي ووصيفتها؛ المتساوية معها في حدود المسئولية، مسئولتان معا عن قتل غريمهما.
وهكذا يبدو جليا أن الاختلافات بين اللوحتين تعكس الفوارق الفردية بين جنسي الرسّامين.
فـ كارافاجيو يصوّر المشهد من منظور رجل، وجينتيليسكي تصوّره من منظور امرأة.

Thursday, November 20, 2008

قــراءات

(1)

النساء، في الصورة إلى أسفل، لا يبدو – لأوّل وهلة - أنهنّ ينتمين إلى هذا العالم.
لقد تركهنّ خلفهم أناس مضوا إلى مجاهل النسيان ولن يعودوا.
وما يبدو في المنظر وكأنه فيضان عظيم، كارثة، مرض متأجّج، زيارة من السماء نفسها، ليل لا ينتهي من الموت والدمار، شيء ما من هذا القبيل .. هو الذي ترك هذا المكان على هذه الحال.
المرأة التي في الوسط لا تمدّ ذراعيها تعبيرا عن التحدّي أو العنفوان.
الذراعان ممدودتان تطلبان الرحمة والشفقة.
إنها تقف رافعة يديها بالدعاء رجاء القبول والاستجابة.
تصلي، تطلب الرحمة وتتوجّه إلى سماء تعتقد أنها لا يجب أن تظلّ صامتة متردّدة وغير مكترثة بما يجري.
والمرأة إلى يسارها تنظر إليها بمزيج من الذهول والتطلع، كما لو أن الربّ الذي تخلى عن كل شيء اختار أن يحلّ في جسد هذه المرأة الفارعة، الصلبة والقويّة.
المرأة الجالسة تفكّر، بينما تحتضن ابنها؛ الشيء الوحيد الذي يدلّ على عالمها.
والمرأتان الأخريان، اللتان ترتديان النقاب والعباءة، راغبتان في أن تصدّقا ثانية وأن تثقا مرة أخرى في ذلك البصيص البعيد من الأمل: أن يفي الربّ ببعض وعوده ويمُنّ عليهن ولو بكلمة بيضاء أو لمسة حنون.
المرأة الجالسة تبدو متعبة وغير واثقة. نظراتها تنمّ عن تسليم بالقدر.
والواقفة لديها هدف وتريد أن تبدأ من جديد.
هؤلاء النساء لسن متسوّلات يحاولن مقاومة التعب في نهاية يوم من مهنتهن المملة.
إنهنّ الضحايا الحقيقيون للاضطهاد والحروب والقتل والترمّل وموت الأب، بعد أن قُتل أبناؤهن وفُقد أزواجهن أو "اختفوا" في الحروب.
المنظر الطبيعي الذي تقف النساء قبالته هو منظر يخصّهن، يدلّ عليهن، يجسّد مأساتهن ويعكس عالمهن الخاص.
فالأرض طينية موحلة. والوقت غرائبي، لا هو ليل ولا هو نهار..
والغيوم لا تغازل الجبال أو تعانقها وإنما تخيّم عليها بأشباحها الثقيلة المجللة بالخوف والعتمة.
القلق متجسّد في كلّ شيء هنا. ليس فقط في الخراب الظاهر في الصورة، وإنما أيضا في العزلة نفسها؛ عزلة هؤلاء النساء المضنية والصارمة.
لقد تُركن وحيدات بلا سند أو معين، ولا من أحد يسلّيهن أو يعزّيهن.
المرأة في الوسط تحاول إجبار الوادي على سماع صرخاتها. إنها آتية من عدّة عوالم. وقد شاهدت انكسار قوس قزح، وتحت قدميها أمطرت السماء بركا صغيرة من الدم ونهيرات حفرت أنفاقا غائرة إلى أسفل.
في أحد تلك القبور المظلمة والعميقة، يرقد الابن الذي أحبّته أكثر من أي شيء آخر في هذه الحياة.
ولو أدارت رأسها نحونا لرأينا وجها تغطيه تضاريس بؤس لا يوصف وعينين مطفئتين على حزن دفين، وربّما شبح ابتسامة صمّاء شاردة..

Henri Cartier-Bresson


(2)

كان قد قرّر أن يكتب قصيدة. فكّر في أنها يجب أن تكون كاملة ومحكمة.
لذا جلس قرب النافذة المفتوحة. كانت السماء تمطر في تلك اللحظات. شعر بلزوجة المطر وهشاشة العالم.
أشعل سيجارة ظنّا منه أنها ستساعده على أن يكتب، بينما كان يبحث عن بداية عظيمة.
البداية هي الشيء المهم. بدايات كل الأشياء دائما مهمّة. قال في نفسه.
لكن عن أيّ شيء سيكتب؟
يمكن أن يكتب عن الضفّة الغربية وغزّة أو عن فقراء أفريقيا.
بدا الأمر صعبا في البداية. فـ فلسطين لديها شعراؤها الكثيرون وبعضهم عظماء ومتفرّدون. كما أن هناك فقراء في إفريقيا وفي كلّ مكان من هذا العالم. فلماذا أفريقيا بالذات؟
يمكن أن يكتب عن قصّة حبّ لا تنسى. تلك كانت إحدى أفكاره المفضّلة. لكن الفكرة بدت له عادية جدّا بل ومستهلكة.
يمكن أن يكتب عن وضع يائس ومحزن في هذا العالم. لكنه خاف أن ينتهي به الأمر إلى قصيدة وجودية لا تختلف عن هذا البحر الواسع من الأفكار والتهويمات الوجودية.
يمكن أن يكتب قصيدة سوريالية. لكن من شأن ذلك فقط أن يزيد من معاناته. بالإضافة إلى انه غير مولع كثيرا بالسوريالية.
ثم أليس الواقع سورياليا بما يكفي؟!
تذكّر شيئا تعلمه في الماضي. وهو انه لا يمكن للمرء أن يكتب قصيدة بالقوّة.
السبب هو أن مياه الشعر ينبغي أن يُسمح لها بأن ترتفع كالحمّى، شيئا فشيئا، إلى أن تمتلئ الورقة البيضاء الفارغة.
لم يكن هذا كلامه. بل كلام نيرودا؛ ملاذ كلّ الشعراء الهواة والعشّاق اليائسين.
هذه الأيام، قال في نفسه وهو يشعل سيجارة أخرى ويراقب المطر، أصبح ينسى الشعر الذي كان يحبّه في الماضي. كان يفضّل بيسوا على بلاث، ولوركا على إليوت.
بالنسبة له، فقد الشعر الانغلوساكسوني سحره حتى عندما يكون حرّا، فالأبيات تبدو بعيدة عاطفيا وغير طبيعية.
أراد أن يكتب قصيدة على طريقة بورخيس، رثائية، بسيطة ومحزنة.
أو واحدة من تلك القصائد العربية المسكونة بالكآبة والمتوشّحة بالحزن الفضفاض.
صحيح أن هناك شعراء كثيرين. وهو حتى لم يسمع بأسماء معظمهم. ويستحيل عليه ذلك. كما أن الشعر المترجم ليس بالشيء الأصيل أو الحقيقي على أيّ حال.
لذا فلا بدّ وأن من بين تلك القصائد التي لم تُقرأ واحدة عظيمة ومتفرّدة ما تزال مختبئة وضائعة.
ومع ذلك، ما هو التغيير الذي يمكن أن تحدثه قصيدة واحدة - في ما لو كتبها فعلا - سواءً في نفسه أو في الآخرين؟
ثم إنه غير متأكّد بعد ما إذا كان يمكن أن يطلق على نفسه صفة شاعر، رغم أن تلك كانت مسألة قابلة للنقاش.
فكّر في ذلك بشيء من الارتياح. ثم حدّق في الفراغ قليلا وأطراف أصابعه تنقر على الطاولة نقرات خافتة ورتيبة.
كانت الصفحة الفارغة على مكتبه تلتمع بالتوتّر والقلق، بينما كان المطر ما يزال ينهمر، وكل شيء حقيقي بدا هاربا ومتسرّبا.
أغلق الشباك ونحّى جانبا علبة السجائر. ونهض.
تناول آخر كتاب وجده: القصائد المختارة لـ فاسكو بوبا. ثم عاد إلى ليله الخاص.
لم يدرك أبدا أنه، ببقائه صامتا وخاليا، كان يقترب من تلك القصيدة المتمنّعة والمراوغة.
كانت ما تزال مختبئة في صمت غرفته، ضائعة في مكان ما بين أصابعه والصفحة الفارغة.

Leonardo da Vinci


(3)

ماذا ترى الآن؟
- كرات حمراء وصفراء وأرجوانية.
لحظة! والآن؟
- والدي ووالدتي وأخواتي.
نعم! والآن؟
- فرسان بأسلحتهم، نساء جميلات ووجوه فاتنة.
جرّب هذه.
- حقل من القمح، مدينة.
جيّد جدّا. والآن؟
- امرأة شابّة تحفّ بها الملائكة.
عدسة أثقل! والآن؟
- نساء كثيرات بعيون مشرقة وشفاه مفتوحة.
جرّب هذه.
- لا أرى غير كرة على طاولة.
أوه! جرّب هذه إذن.
- فراغ مفتوح. لا أرى شيئا خاصّا أو محدّدا.
حسنا، والآن؟
- أشجار صنوبر، بحيرة .. وسماء صيفية.
هذه أفضل. والآن؟
- كتاب.
إقرأ لي صفحة منه.
- لا أستطيع. عيناي مشغولتان بما وراء الكتاب.
جرّب هذه العدسة.
- فضاء رحيب، وباب مدفون خلف الريح.
ممتاز. والآن؟
- ضوء. فقط ضوء. يُحيل كلّ شيء إلى عالم من الدمى.
حسنا جدّا. سنصنع نظاراتك وفق هذا القياس.

Louis-Ernest Barrias

- مترجمة بتصرّف

Thursday, November 06, 2008

محطـّات

(1)

يروي بيتهوفن قصّة معبّرة وذات مغزى جمعته مع صديقه الفيلسوف والشاعر غوته.
يقول: ما أروع أن يشعر الإنسان ببعض العظمة والاعتداد بالنفس.
بالأمس، وبينما كنا في طريق عودتنا إلى البيت، قابلنا أفراد العائلة الإمبراطورية في الطريق.
رأيناهم قادمين نحونا من مسافة. وعندما اقتربوا منا سحب غوته يده من يدي لكي يتنحّى عن الطريق. حاولت كلّ ما بوسعي ثنيه وإقناعه بمواصلة السير، لكن دون جدوى.
وبينما أنا أمشي قبالة الجمع، كنت أضغط قبّعتي على رأسي بنزق وأحكم إغلاق أزرار سترتي وأثني يديّ خلف ظهري.
ولاحظت أن الأمراء وكبار الحاشية والأعيان أفسحوا لي جزءا من الطريق. الارشيدوق رودولف رفع قبّعته باتجاهي محيّيا. بينما رفعت الإمبراطورة يدها لي بالسلام.
إذن فهؤلاء الناس العظماء يعرفونني! هكذا حدّثت نفسي.
لكن، كانت لحظة من أغرب اللحظات وأكثرها طرافة عندما رأيت الموكب يمرّ من أمام غوته بهدوء ولا مبالاة.
كان ما يزال واقفا هناك إلى جانب الطريق متكوّما على نفسه ونازعا قبّعته وخافضا رأسه إلى الأرض بأقصى ما يستطيع.

Man Ray


(2)

"بينما كنت أفكّر فيها غالبني نعاس لذيذ".
كذا يقول مطلع هذه القطعة الاوبرالية الجميلة التي وضع لحنها المؤلف الموسيقي الألماني هانز زيمر Hans Zimmer لفيلم هانيبال.
النصّ المغنّى مأخوذ من قصيدة للشاعر الايطالي دانتي بعنوان Vide Cor Meum يحكي فيها عن تجربة حبّ صوفية جمعته مع امرأة تدعى بياتريس.
كان دانتي يرى المرأة، أو خيالها، في الكثير من الأماكن التي كان يذهب إليها.
كانت صامتة ساهمة على الدوام. وكلّ ما ظفر به منها كان تحيّة عابرة ألقتها عليه في ظهيرة أحد الأيام قبل أن تختفي مرّة أخرى.
وقد اختار مخرج الفيلم أن يصوّر هذه القطعة في احد دور الأوبرا في مدينة فلورنسا الايطالية. وكنت قرأت ترجمة لهذه القصيدة بالانجليزية غير أنها لم تشدّني كثيرا. وأتصوّر أن الكثير من شعراء هذه الأيام يمكن أن يأتوا بقصائد شعرية تصف مثل هذه الحالة الوجدانية بأفضل مما فعله دانتي.
المهم أن أكثر ما يشدّ الاهتمام في الأغنية هو موسيقاها الراقية والشحنة الميلودرامية المكثفة التي أودعها المؤلف فيها.
هنا ليس مطلوبا منك أن تهتم كثيرا بالكلام بل أن تستمع إلى الموسيقى الفخمة والى الغناء الاوبرالي الذي يلامس الروح ويتسلل إلى الوجدان.
الإنشاد الجماعي في المقطوعة يشبه غناء كائنات علوية يتردّد صدى ترانيمها في السماء. هذا بالرغم من حقيقة أن اللحن نفسه حزين وفيه نبرة ندم وأسى عميق.
يبدأ الإنشاد على خلفية من موسيقى الكمان تصاحبه الاوركسترا والكورال. وبعد قليل يدخل صوت السوبرانو ثم التينور في حين تلتحم أصوات المنشدين بالموسيقى في تناغم رائع وذوبان حميم وصولا إلى نهاية الأغنية.
ومن الواضح أن المؤلف بذل جهدا كبيرا في إخراج هذه القطعة بهذا المستوى الضخم. فقد اختار لعزفها اوركسترا مدينة براغ الفيلهارمونية التي اشتهرت بكثرة عازفيها المحترفين وبالمستوى العالي للغناء الجماعي الذي توفره.
في ما بعد، أدّى الأغنية مغنّون كثر من بينهم السوبرانو البريطانية كاثرين جينكينز التي ضمّنتها ألبومها بعنوان طبيعة ثانية Second Nature بمصاحبة التينور ريس ميريون.
ومع مرور الأيّام أصبحت الموسيقى أشهر من الفيلم نفسه، وتمّ توظيفها في أكثر من عمل سينمائي كان آخرها فيلم مملكة السماء.
الجدير بالذكر أن هانز زيمر وضع الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام السينمائية المشهورة مثل الساموراي الأخير وشيفرة دافنشي وقراصنة الكاريبي وغيرها.
يمكن سماع الموسيقى هنا أو هنا بصوت كل من تشارلوت كيندر "بياتريس" وويلس مورغان "دانتي"..

Leonardo da Vinci


(3)

كم هو جميل ومعبّر هذا البورتريه الذي رسمه الفنان إيليا ريبين للروائي الروسي الكبير ليو تولستوي.
من المعروف أن ريبين رسم لـ تولستوي العديد من البورتريهات، لكن هذا يعتبر أشهرها. وفيه يظهر الأديب الروسي في هيئة قريبة من هيئة الكهنة أو رجال الدين.
النظرات هنا متأمّلة والملامح تشي بالجلال والهيبة والملابس السوداء تخلع على الشخصية إهابا من الوقار والقداسة.
وقد وجدت البورتريه في موقع الويكيبيديا، بعد أن كنت طالعت بعض صفحات من كتاب "آخر أيّام تولستوي" الذي ألفه فلاديمير تشيرتكوف سكرتير تولستوي الشخصي وأحد تلاميذه المقرّبين.
الغريب أن هذا البورتريه لم يعجب النقاد في ذلك الزمان، فقد استنكروا على الرسّام تصويره أكبر رمز ثقافي روسي بملامح شبيهة "بملامح أبناء الريف والفلاحين البسطاء"، كما قالوا.
تولستوي لم يكن مجرّد روائي كبير، بل كان أيضا فيلسوفا ومفكّرا حرّا ومصلحا اجتماعيا وداعية للسلام.
ولا بدّ وأنّ هذه السّمات الشخصية المتفرّدة كانت حاضرة في ذهن ريبين وهو يرسم هذا البورتريه الجميل الذي نفذ من خلاله إلى روح الكاتب والى مشاعره وانفعالاته الداخلية.
بالمناسبة، لا يمكن تبيّن جمال ألوان هذا البورتريه وروعة خطوطه ورهافة تفاصيله إلا برؤية اللوحة الكبيرة الموجودة في موقع ويكيبيديا..

Portrait of Leo Tolstoy by Ilya Repin, 1887


(4)

من أجمل وأشهر المقطوعات الموسيقية التي وضعت لأفلام، هذه المعزوفة للمؤلف الايطالي اينيو موريكوني Ennio Morricone والتي ظهرت في الفيلم الشهير "حدث ذات مرّة في أمريكا" للمخرج الايطالي سيرجيو ليوني.
في المعزوفة هناك أمران لافتان: الأوّل صوت آلة البان فلوت. وقد استعان موريكوني لأدائها بالروماني جورج زامفير صاحب المعزوفة المشهورة The Lonely Shepherd أو الراعي الوحيد .
وعلى عكس الشعور بالسلام والطمأنينة الذي يثيره عزف زامفير في "الراعي الوحيد"، فإن عزفه في مقطوعة موريكوني يثير إحساسا هو مزيج من الحنين والرهبة.
الملمح الثاني في موسيقى موريكوني هو الصوت الاوبرالي الرائع الذي يبدأ في منتصف المقطوعة. رغم انه لا يدوم لأكثر من ثلاثين ثانية.
وقد اختار موريكوني لأداء هذا المقطع القصير صوت السوبرانو الايطالية إيدا ديل أورسو التي طالما استعان بها لأداء العديد من المقطوعات التي ألفها لأفلام.
يقول بعض النقاد إن صوت ديل أورسو يرقى لاعتباره آلة موسيقية قائمة بذاتها.
إنها تغني بلا كلام، كما أن في صوتها حسّية غريبة وفيه أيضا تلك السمة الـ "فوق أرضية" التي تميّزها عن سواها من مغنيات الأوبرا.
صوت ديل أورسو في هذا المقطع درامي، "مسكون" ومتوتّر إلى حدّ ما. غير انه بنفس الوقت حالم، أثيري وشفّاف. وهو أشبه ما يكون بغناء صامت في الريح أو "بالغوص في مياه عميقة ومظلمة" على حدّ وصف أحد الكتاب.
يمكن سماع موسيقى موريكوني هنا أو هنا ..

Contemplation, Statue in Metairie


(5)

كان سرب من طيور البحر ما يزال يواصل تحليقه وانقضاضه في الفضاء البعيد.
تطلع هو إلى فوق وثبّت نظره على أحدها.
في تلك اللحظة، كان جناحا الطائر قد اقتربا كثيرا من بعضهما.
حدّق فيه مليّاً. لم يعجبه شكل منقاره.
كان يتابعه بعينيه وهو يصعد من جديد، شيئا فشيئا، باتجاه قبّة السماء.
وبدأ الجناحان يرسمان دوائر كبيرة ومتّصلة تأخذ شكل حرف O على خلفية من أفق ازرق غائم.
وعندما وصل إلى أعماق الفضاء، تحوّل الطائر إلى نقطة صغيرة نائية.
كان ما يزال يراقب المشهد. وفجأة داهمه شعور لا يقاوم بالأنا والرغبة الجامحة.
إعتقد اوفيد أن الدوائر ترمز لأوّل حرف من اسمه.
إنه حرف أساسي، متعلق بالجوهر، مهيب، مرن وبيضاوي الشكل.
وهو علامة، أو لعله إشارة، تؤكّد أن حلمه الذي طالما داعب مخيّلته يوشك أن يتحقق.
كان يتوق دائما لأن يُحمل عاليا إلى أعماق الفضاء وأن يحلق بحرّية مثل الطيور وأن يمارس هناك "تحوّلاته" إلى الأبد.
- جين اليسون "بتصرّف"

Domenichino


(6)

أظنّ أنّ من يسمع هذه الموسيقى لأوّل مرّة وليس في ذهنه قصّة الفيلم الذي ألفت من اجله، لا بدّ وأن يتخيّل أنها نشيد وطني لبلد ما أو تصوير موسيقي لملحمة تحكي قصّة من قصص البطولة أو التضحية والعظمة.. إلى آخره.
جون باري John Barry كتب هذه المعزوفة لفيلم الرقص مع الذئاب، وسرعان ما عُرفت واشتهرت لتوظف في العديد من البرامج الدرامية والوثائقية التي تبثها الإذاعات ومحطات التلفزيون.
في المقطوعة إحساس بعظمة الموسيقى وبقدرة الفنان الفائقة في ترجمة الصورة إلى نغم فيه شفافية وإحساس قويّ بروح الصحراء وما ترمز إليه من رحابة وغموض وصراع.
كما أن فيها نفسا ملحميا واضحا يذكّرنا بموسيقى فاغنر وتشايكوفيسكي.
والإطار السيمفوني الفخم الذي يميّز الموسيقى هنا ربّما يوحي للسامع أنها ألفت قبل قرون، في حين لم يمض على ظهورها أكثر من بضع سنوات.
بالإمكان سماع الموسيقى هنا أو هنا ..

Jonathan Janson

Music: Munir Nurettin Beken - Makam Rast ‎